قانون ترامب لإدارة العالم
نبيل أحمد شحاده - منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يتعايش العالم مع مشهدٍ سياسي حديث لم يعهده من قبل، حيث يحكمُ سياسةَ ترامب الخارجية منطقٌ واحد، يقومُ على المنفعةِ الأميركية المباشرة، مع ما تتطلبه في بعض الأحيان من استخدام القوة الاقتصادية أو العسكرية، أو التهديد بهما معا، وفي آنٍ واحد.
وبينما يرى مؤيدوه أنه يصحّح المسار الطويل من التنازلات الذي انتهجه أسلافه، وأنه يُعيدُ للولايات المتحدة "مجداً كاد أن يزول" من حيث قدرة الردع وفرض الشروط وتحقيق المصالح، يرى خصومُهُ أنه يتلاعبُ بقواعدِ اللعب العالمية، أو ينحّيها جانباً لمصلحة قانونٍ جديد يُمكنُ تسميته: قانون ترامب لإدارة العالم. قانون لا يعترف بالقواعد والتوازنات والحدود التي عرّفتها المعاهدات الدولية وميثاق الأمم المتحدة، ويضعُ معاييرَ مبتكرة وجديدة لمفهومي الدولة القومية والسيادة الدولية.
تصريحات ترامب الصاخبة لم تعُد مجرد نزوات عابرة، بل باتت سلوكيات متكررة أشبه بأوامر عمليات يجري تنفيذها على أرض الواقع. فمن التهديد بضم كندا وجعلها الولاية الواحد والخمسين، إلى الرغبة الجامحة والإصرار الكبير على ضم أو شراء غرينلاند بوصفها قضية أمن قومي، وصولاً إلى العملية التي صدمت العالم وأذهلت قادة الدول، وتمثّلت في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته كاراكاس، وجرّهما إلى نيويورك لمحاكمتهما بتهم أقلها تجارة المخدرات، ثم الإقرار العلني في السيطرة على النفط الفنزويلي وتطويره وإدارتهِ من قبل الشركات الأميركية، والذهاب إلى أكثر من ذلك؛ إلزامُ فنزويلا شراء احتياجاتها الأساسية من الولايات المتحدة حصراً، وستشملُ، المنتجات الزراعية، والأدوية، ومعدات وأدوات تحسين شبكة الكهرباء ومرافق الطاقة، وغير ذلك.
اللافت في كل ذلك، أن أساليب ترامب وطرقُ أدائه السياسي، لا تحتاج إلى نصوص رسمية، أو وثائق معلنة، بل هي نتاج فكرة، فقرار، فتنفيذ مع تجاهلٍ كاملٍ لأية أسس وأصول تحكم المنظومة الدولية والعلاقات فيما بينها، وهو بغروره، لم يُخف ذلك، وقال في العلن: "أنا لست بحاجة إلى القانون الدولي".
قانون ترامب لا يقومُ على انقلابٍ على النظام الدولي، بقدر ما هو يُعيدُ ترتيب الأولويات فيه، مستدعياً المطارق بأبعادها السياسية والاقتصادية والعسكرية كقوة ناظمة. هو لا يُلغي ما هو قائم حالياً، ولكن يُفرّغه من مضمونه، ويمنحه تفسيراً آخراً في حال تعارضه مع مصالح واشنطن المباشرة والحيوية.
مثال آخر هو موضوع غرينلاند. التحوّلُ كان واضحاً، حيث الوجود العسكري الأميركي هناك منذ عام 1951، لم يعُد كافياً لترامب، بل أوجب الامتلاك الكامل للجزيرة قائلاً: "الولايات المتحدة بحاجة إلى "امتلاك" غرينلاند لمنع روسيا والصين من الاستيلاء عليها". ومضيفاً: "سنفعل ذلك إما بالطريقة السهلة أو بالطريقة الصعبة". يعني التملّك هذا، ليس تطاولاً على سيادةِ الدول فقط، بل هو يمنحهُ صفة شرعية ما تحت ذريعة حمايتها من خطرٍ قادم، ليس لمواجهته إلا الولايات المتحدة.
تحدّى ترامب في طروحاته الدانمرك ومن خلفها الاتحاد الأوروبي، وسكان غرينلاند نفسها. وأكدّ على إن الأمر بات شبه منتهياً، خاصةً، وأنه يعتبر غرينلاند ليست مجرد جزيرة متجمدة، بل هي موقع استراتيجي في القطب الشمالي، وقاعدة متقدمة يواجه من خلالها الصين وروسيا. كما انه يعتبرها كنز الموارد الطبيعية "النادرة"، وفيها مخزونات هائلة من النيكل والكوبالت والنفط والغاز، وهذا كله أساسي وحيوي لواشنطن كي تكسر الاحتكار الصيني في مجالات صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والتقنيات العسكرية المتطورة.
أما كندا، التي رفضت طروحات الضم للرئيس ترامب من حيث المبدأ والشكل، مشدّدةّ على أن سيادتها وهويتها الوطنية غير قابلتان للنقاش أو المساومة، فباتت تُعامل كملحق اقتصادي، ويجب أن تذعن تماماً لشروط "أمريكا العظيمة أولاً" تحت طائلة التهديد الوجودي لسيادتها؛ فواشنطن تعتبر تحت إدارة ترامب أن الحدود والقوانين ليست مقدسة، ولا قيمة لها إذا اصطدمت بمصالح الولايات المتحدة، والتفاوض بالمفهوم الترامبي دائماً يقوم على قاعدة وجود طرفين "قادر ومُتمكن، وآخر ضعيف ومُكْرَه".
مواقفُ ترامب تجاه غرينلاند، وإلزامه فرنسا برفع أسعار أدويتها إلى ثلاثة أضعاف، ملوّحاً بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على المنتجات الفرنسية، وفرضه تقليص الفائض التجاري الأوروبي مع الولايات المتحدة، كلُ ذلك، ألغى مميزات الحلفاء. وفي المقابل كشف عن حالة أوروبية عجيبة، تمثّلت بعجز وشلل قياداتها عن الرد على رئيس أميركي يتباهى "صبحاً ومساءً" بقوته. وزاد الطين بّلة - كما يقولون- أن تختار وسائل الإعلام الأوروبية السخرية من ترامب وإدارته، وسقطة اتهامهم بالغباء، فيما الحقيقة هم أذكياء ولديهم خططهم، ويعرفون مصالح بلادهم ويستثمرون في ضعف الآخرين، ويهاجمون الأوروبيين وينتقدونهم ويهددونهم بكل جرأة ووضوح.
ولكن أين التحالفات والشراكات مع الدول الصديقة والحليفة؟
قانون ترامب الجديد يُخضع كل شيء إلى منطق الصفقة. الحليف والصديق ليس جزءاً من منظومة استراتيجية ثابتة، بل هو طرفٌ يمكن الاستفادة منه، أو الضغط عليه وابتزازه، وربما معاقبته اقتصادياُ، أو مكافأته، حسب مؤشرات المصلحة الأميركية، وولاء الحلفاء وتفانيهم ولو على حساب مصالح بلادهم.
هذا الأسلوب سيحقق مكاسب سريعة للولايات المتحدة، ويؤكد هيمنتها على العالم من خلال فرض الشروط وانتزاع التنازلات، وستبقى لزمن لا نعرف طوله في موقع المبادرة. لكنه في المقابل يفتح الأبواب واسعة على مخاطر كبيرة، وتراجع منسوب الثقة، وتزايد منطق القلق والشك، وقد يذهب بالعالم إلى صدامات غير محسوبة. عالمٌ من هذا النوع، ويقوم على ردود الفعل، وتسري فيه معايير وقيَم متحركة ومطّاطة، يصبح أصعب على التنبؤ، وأكثرَ توتّراً، وأقربَ إلى الانفجار مع كل أزمة ناشئة.
قانون ترامب بدأ يعمل ضمن آلية متماسكة، ويتحوّل من بصمة شخصية إلى قانون جديد ستتابع الولايات المتحدة تطبيقه ولو بدرجات متفاوتة حتى بعد رحيله. وفي ظل توقعات من احتمال أن تنتقل العدوى إلى روسيا والصين، ودول أخرى فتحل مشاكلها بنفس المنطق والأسلوب، ستجدُ دولٌ أخرى نفسها تذوب في الأجندة الأميركية وأهداف واشنطن لتجنّب الصدام وحفظ كيانها وسيادتها إلى حين.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook